محمد سعيد رمضان البوطي
302
فقه السيرة ( البوطي )
رأيت أنه أجاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، حينما قال له : « ألم يأن لك أن تعلم أنني رسول اللّه ؟ » بقوله : أمّا هذه واللّه ، فلا يزال في النفس منها شيء ! . . فقال له العباس : ويحك أسلم واشهد أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا رسول اللّه قبل أن تضرب عنقك ! . . وحينئذ شهد شهادة الحق . والإشكال في هذا أنه قد يقال : فما هي قيمة إسلام لم يأت إلا بالتهديد ، إذ قد كان من قبل بلحظة واحدة يقول ، إن في نفسه من نبوة رسول اللّه شيئا ؟ ! . . ولكن الإشكال يزول بما قد علمت ، من أن المطلوب في الدنيا من المشرك أو الكافر ليس هو استقرار الإيمان كاملا في فؤاده ، في اللحظة التي يراد منه فيها الدخول في الإسلام ، وإنما المطلوب منه أن يستسلم كيانه ولسانه لدين اللّه تعالى فيخضع لتوحيد اللّه تعالى ويذعن لنبوة رسوله وكل ما جاء به من عند اللّه تبارك وتعالى ، أما الإيمان فيربو بعد ذلك في قلبه مع استمرار تمسكه بالإسلام وخضوعه له . ولذلك يقول اللّه تعالى في كتابه الكريم : قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ [ الحجرات : 14 ] . ولذلك أيضا لا يجوز للمسلم أثناء القتال أن يحمل إسلام أحد من الكفار في أثناء المعركة على الخوف من السلاح ، أو الرغبة في الغنيمة ، أو التظاهر بما لا يوقن به ، مهما كانت القرائن دالة على ذلك ، لأن المطلوب ليس الاستيلاء على ما في الضمائر والقلوب ولكن المطلوب إصلاح ما هو مكشوف وظاهر ، وفي ذلك يقول اللّه تعالى تعليقا على ما بدر من بعض الصحابة في إحدى السرايا التي أرسلها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذ قتل شخصا أعلن إسلامه ظنا منه إنما أعلن ذلك مخافة السلاح : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً ( 94 ) [ النساء : 94 ] . وانظر كيف ذكرهم بحالهم يوم أن دخلوا الإسلام جديدا ، فقد كان كثير منهم إذ ذاك مثل هذا الذي لا يثقون بإسلامه اليوم ، ثم منّ اللّه عليهم فحسن إسلامه وتصفّى مع الاستمرار في ممارسة أحكامه من الدّخل والشوائب . ولقد كان من حكمة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بعد أن أعلن أبو سفيان إسلامه ، أن أمر العباس أن يقف به عند مضيق الوادي ، الذي ستمر فيه جنود اللّه تعالى ، حتى يبصر بعينه كيف